العمل اليومي
هل يجوز إغماض العينين في الصلاة؟
لا يُبطل الصلاة ولا هو محرّم، لكن أكثر أهل العلم كرهوه لغير حاجة. وما تقوله الآثار الثابتة حقًّا، وأين يكون موضع البصر.
٣ دقائق قراءة ·
كثير من الناس يغمضون أعينهم في الصلاة لأن ذلك يعينهم على الخشوع. وآخرون قيل لهم إنه محرّم، أو إنه يبطل الصلاة. ولا يصحّ القولان معًا.
الجواب الموجز
إغماض العينين في الصلاة لا يبطلها، وليس بحرام.
وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى كراهته إذا كان لغير حاجة. والأولى في الجملة أن تبقى العين مفتوحة والبصر مخفوضًا. لكن إن كان أمامك ما يشغلك عن صلاتك حقًّا، فالإغماض جائز، وقد يكون أقرب إلى المقصود.
هل ثمّ حديث صحيح ينهى عنه؟
يُذكر أحيانًا حديث فيه أن النبي ﷺ نهى المصلّي أن يغمض عينيه. وهو في المعجم الكبير للطبراني، وقد أعلّ أهل الحديث إسناده بالضعف.
والحديث الضعيف لا يثبت به تحريم. وليس في صحيح البخاري ولا صحيح مسلم ما يدلّ على أن الإغماض يبطل الصلاة.
فليس مستند الحكم نصًّا ناهيًا، وإنما مستنده مقصود الصلاة نفسها.
لماذا كرهه من كرهه؟
الأصل في المصلّي أن يكون يقظًا حاضرًا، عينه مفتوحة وبصره مخفوض. والإغماض لغير حاجة يشبه حال النائم، ويُخرج العين من عبادة يشترك فيها البدن كله.
وهذا وجه من قال بالكراهة دون التحريم: أنه ترك للأفضل في أمر مباح، لا وقوع في إثم. وقد قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بوضوح: ترك الإغماض أفضل، والإغماض لا يضرّ صحة الصلاة.
متى يكون الإغماض أولى؟
عالج ابن القيّم رحمه الله هذه المسألة في زاد المعاد. فإن كان المصلّي أخشع بفتح عينيه فالفتح أفضل. وأما إذا كان المرئي أمامه يشوّش عليه، فالإغماض غير مكروه البتة، بل هو أقرب إلى مقصود الصلاة.
وثمّ سابقة في الاعتداد بالشاغل: صلّى النبي ﷺ في خميصة لها أعلام، فلما فرغ بعث بها وطلب ثوبًا ساذجًا مكانها، وقال إن أعلامها ألهته في صلاته.
فلم يلُم المصلّي، وإنما غيّر الثوب.
الخشوع عمل القلب
الإغماض يرفع ما بين يديك من المرئيات، ولا يُنشئ الخشوع بمجرّده.
قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ
وهو في سورة المؤمنون، الآيتان ١ و٢.
ومما يُبنى عليه هذا الحضور:
- أن تفهم ما تقرأ، وأوّله الفاتحة.
- أن تستحضر بين يدي من تقف.
- أن تتنقّل بين الأركان في طمأنينة من غير عجلة.
- أن تتدبّر الأذكار لا أن تجريها على العادة.
- أن تُعرض عن الخواطر التي تَرِد بغير استئذان.
- أن تختار موضعًا هادئًا وتفرّغه قبل أن تبدأ.
وقد يعين الإغماض في موضع بعينه، ولا ينبغي أن يصير الوجه الوحيد الذي تستطيع أن تصلّي به.
فأين يكون النظر؟
اخفض بصرك واجعله ثابتًا، ولا تُقلّبه في المكان.
سألت عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ عن الالتفات في الصلاة، فسمّاه اختلاسًا يختلسه الشيطان من صلاة العبد.
وحذّر أشدّ من ذلك من رفع البصر إلى السماء في الصلاة.
وبين هذين يتبيّن الهدي: لا التفات، ولا رفع. بل خفضٌ وثبات.
خمس حالات معتادة
أن تغمض عينيك ولا شيء يشغلك: الأولى أن تفتحهما. وهذه هي الصورة التي قصدها أكثر من قال بالكراهة.
أن يشغلك نقش سجادة الصلاة: يجوز الإغماض، وتبديل السجادة أولى، كما صنع النبي ﷺ بالخميصة.
أن تغمضهما يسيرًا لتجمع قلبك: لا إثم في ذلك، والصلاة لا تتأثر.
أن تغمضهما في كل صلاة دائمًا: الصلاة صحيحة، لكن الأولى ألا تجعله عادة لازمة من غير حاجة.
أن تغمضهما من غير قصد: لا شيء في ذلك أصلًا.
الحكم في سطر
إغماض العينين في الصلاة ليس محرّمًا ولا يبطلها. والأفضل فتح العين مع خفض البصر؛ والإغماض جائز إذا كان أمامك ما يشغلك حقًّا.
ولم تكن العين هي المقصودة قطّ. وإنما المقصود أن تقف بين يدي الله حاضر القلب متواضعًا، وأن ترفع ما يحول بينك وبين ذلك، سواء أكان إغماضة عين لحظةً، أم إتقانًا للصلاة حتى لا ينصرف ذهنك إلى تذكّر ما بعد.
واصل القراءة
المزيد من المقالات.
دعاء آدم وحواء بعد الخطأ الأول
أول خطأ في تاريخ البشر، وأول توبة: لا أعذار، ولا إلقاء للوم — دعاء واحد، أُجيب بالمغفرة والرحمة والهداية.
٤ دقائق قراءة ← الدعاءدعاء نبي الله أيوب عليه السلام للشفاء والرحمة
دعاء لا يسأل شيئًا صراحة: يصف الضرّ بصدق، ثم يثني على رحمة الله. وما في ذلك من درس في الصبر.
٣ دقائق قراءة ← الدعاءدعاء نبي الله يونس عليه السلام في الظلمات
ثلاث ظلمات، ولا مخرج، ودعاء ليس فيه شكوى، بل توحيد وتنزيه واعتراف. وما قاله النبي ﷺ في شأنه.
٣ دقائق قراءة ←